في لحظة دبلوماسية بالغة الحساسية والتوقيت، تشهد سوريا حركتين متوازيتين تجاه قوتين إقليميتين رئيسيتين. فبعد ساعات فقط من زيارة وفد تركي رفيع إلى دمشق، تحرّك وفد سوري مماثل يضم وزيري الخارجية والدفاع ومسؤولين أمنيين إلى العاصمة الروسية موسكو. يأتي هذا التزامن ليعكس سعياً سورياً لإدارة ملفات معقدة، ولا سيما في الشمال السوري، ومنع انزلاق البلاد إلى صراعات مفتوحة.
زيارة موسكو: إعلان “عهد جديد” وتعزيز استراتيجي
أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو، أن العلاقات الثنائية “تدخل عهداً جديداً” مبنيًا على الاحترام المتبادل. وأشار إلى أن دمشق تعمل على نقل هذه العلاقة إلى مستوى استراتيجي جديد مع مناقشة التفاصيل بصراحة أكبر.
نتائج اللقاءات في موسكو:
· التعاون العسكري والأمني: ناقش الوزيران السوريان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سبل تطوير الشراكة العسكرية والتقنية، بما في ذلك تحديث العتاد العسكري ونقل الخبرات والتعاون في البحث والتطوير. كما التقى وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة بنظيره الروسي أندريه بيلوسوف بشكل منفصل.
· الدعم السياسي: شدد الجانب الروسي على دعم وحدة الأراضي السورية وسيادتها الكاملة، ورفض أي مشاريع لتقسيم البلاد. كما جدد الطرفان رفضهما للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للأراضي السورية.
· التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار: بحث الجانبان توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري، ودعم مشاريع إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية، وتشجيع الاستثمارات الروسية في سوريا. وأعرب الشيباني عن أمل دمشق في مساعدة روسيا لجلب الاستثمارات الخارجية.
زيارة أنقرة: ملف الشمال السوري على الطاولة
سبقت زيارة موسكو بيوم واحد زيارة وفد تركي رفيع إلى دمشق، ضم وزير الخارجية هاكان فيدان ووزير الدفاع يشار غولر ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن. ركزت المباحثات، بحسب قراءات محللين، على الملف الأكثر حساسية وهو منطقة “الجزيرة” (شمال شرق سوريا) التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
الموقف التركي المعلن كان واضحاً: رفض الحلول المؤقتة، ورفض وجود كيان مسلح خارج سلطة الدولة السورية، ورفض بقاء “قسد” بصيغتها الحالية. وتزامنت هذه الزيارة مع اشتباكات عنيفة في مدينة حلب اتهمت فيها السلطات السورية “قسد” بقصف أحياء سكنية.
قراءة في التوقيت والأهداف: لعبة الدبلوماسية المتوازنة
يشير التزامن والتركيبة الأمنية العالية للوفدين إلى أن هذه الخطوات ليست بروتوكولية ولا صدفة زمنية. بل تظهر استراتيجية من الحكومة السورية الانتقالية لإدارة علاقاتها مع القوى الفاعلة على الأرض:
· تثبيت الموقف بعد لقاء أنقرة: تأتي زيارة موسكو بعد وقت قصير جداً من زيارة الوفد التركي، مما قد يشير إلى رغبة دمشق في تنسيق الموقف مع حليفها الروسي وإطلاعه على نتائج مباحثاتها مع تركيا.
· إدارة ملف “قسد” سياسياً ودولياً: تدرك دمشق أن ملف “قسد” لا يُحسم عسكرياً فقط، بل يحتاج إلى تسوية سياسية ودولية. وتمثل روسيا طرفاً فاعلاً في ضبط التوازنات مع تركيا في شمال سوريا.
· البحث عن شراكة استراتيجية مع موسكو: في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية، تسعى سوريا الجديدة إلى إعادة تعريف وتحسين علاقتها التاريخية مع روسيا، والانتقال بها من إطار دعم النظام السابق إلى شراكة استراتيجية مع النظام الحالي.
تجسد الزيارات المتزامنة مرحلة انتقالية دقيقة في السياسة السورية. فدمشق، التي أنهت حقبة بشار الأسد، تعمل الآن على إعادة رسم تحالفاتها وتحقيق التوازن بين مصالح القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في ملفها، خاصة روسيا وتركيا.
النجاح في هذه المعادلة الصعبة سيعتمد على قدرة القيادة السورية على تحويل الدبلوماسية إلى مكاسب ملموسة في استقرار المناطق الشمالية وجذب الاستثمارات لإعادة الإعمار. بينما يفشل في ذلك قد يعيد البلاد إلى دوامة من التوتر ويهدد الاستقرار الهش الذي بدأ يعود بعد سنوات الحرب الطويلة.




